"شغل عفاريت".. الشاب مطر يلعب الـ"باركور" بإمكانات صفر
غزة- رنا الشرافي
حركاته حاكت أصحاب الحركات السريعة في أفلام "الأكشن"، عندما وجد في البيوت التي دمرها الاحتلال فرصة لممارسة رياضة سبقه إليها أبطال أفلام الحركة، وهو يحمل مع زملائه رسالة تحدٍ وصمود، مع علمهم بأنهم يمارسون رياضة أضافت فناً وخفة لحركات قد تكون مميتة، لكنه الشغف والمتعة، اللذان يكللان اللاعب أحمد مطر عند ممارسته لهذه الرياضة."الباركور" رياضة عرفت طريقها إلى فلسطين عام 2005م، على يد المدربين محمد الجخبير وعبد الله انشاصي حتى تشكل فريق قوامه 18 فرداً من بينهم مطر – ضيف "فلسطين" في حلقة اليوم من كل الناس- والذي تجاوز وصف "شغل حرامية" مقنعاً والديه والكل المحيط به بالشرف الرفيع لهذه الرياضة الرشيقة.
من المقابر
كان "أحمد" كلما ضاق صدره مما حوله توجه إلى "مواصي" خانيونس والمشهورة بأنها من أجمل المناطق في قطاع غزة، ليستنشق بعض الهواء النقي المتبل بنكهة البحر القريب منها، وفي إحدى رحلاته هذه شاهد شخصين يقفزان في الهواء بحركات بهلوانية تحدت قانون الجاذبية الأرضية، ورغم ما فيها من خطورة إلا أنها جذبت انتباهه ليعرف المزيد عنها، فتقدم منهما سائلاً عما يفعلانه ليسمع للمرة الأولى لفظاً رافقه فيما بعد ألا وهو "الباركور".
اللاعب مطر يبلغ من العمر 19 عاماً، من سكان حي الأمل في محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، وهو أحد ممارسي رياضة الباركور في غزة، والتي نمت بذرتها الأولى على يد المدربَين محمد الجخبير وعبد الله انشاصي وهما من كانا يتدربان بين القبور عندما رآهما "مطر" وهو في طريقه إلى منطقة المواصي.
حبه لهذه الرياضة كان جلياً في أسلوب حديثه عنها، تحدث بفخر وعنفوان، وكلماته كانت تقفز بخفة كما قفز جسده ليرينا شيئاً من هذه الرياضة الرشيقة، ما دفعني إلى سؤاله عن معنى "الباركور"، فقال لي:" هي رياضة شجاعة وثقة بالنفس تمنح ممارسها إيماناً بأنه قادر على تخطي أي حاجز قد يواجهه في حياته، خاصة وأنها تعتمد على خفة الحركة والقفز عن الحواجز مما يعطينا شعوراً بأنه لا وجود للمستحيل في حياتنا وأننا قادرون على التغلب على ما يواجهنا فيها من صعوبات ".
لم أجد أقوى بلاغة من هذا التعريف لرياضة "الباركور" ولعله من خلال هذه الكلمات فسر لنا سبب فخره بهذه الرياضة والتي أعطت من مارسها من شبان قطاع غزة المحاصر شعوراً ولو وهمياً بالحرية والطلاقة بعيداً عن أي حصار أو جدار عازل أو مسافة صيد كبلت قطاع غزة من جميع الجهات حتى خنقت ساكنيه.
وهي أيضاً رياضة فكر وحسابات وتقدير للمسافات فالخطأ فيها يساوي الحياة أحياناً ولربما قد تسبب كسوراً تمنع صاحبها من مزاولتها ثانية خاصة وأن فريق فلسطين والذي ينتمي لاعبوه إلى "بلوك جي" في حي الأمل للاجئين الفلسطينيين لا يملكون أي مقومات لممارسة هذه الرياضة الخطيرة.
مسابقات دولية
لكنه حب الحياة الدافق في عروق الغزيين والذي دفع بشريحة من أبنائها لمقاومة قانون الجاذبية واللعب مع الهواء "باركور"، وأخذوا بالعمل على تسويق فريقهم داخلياً من خلال تقديم عروض فنية في المدارس والمهرجانات المعنية بتقديم فقرات فنية، وخارجياً من خلال المشاركة في بطولات عربية وأجنبية حيث مثل مؤسس الفريق في قطاع غزة، دولة فلسطين في مسابقتين دوليتين أقيمت إحداهما في إيطاليا والثانية في دولة السويد ورغم الاهتمام الدولي بهذه الرياضة إلا أن ديفيد بيل الممثل المعروف والبالغ من العمر 45 عاماً مؤسس هذه الرياضة لم يؤسس لها اتحاداً عالمياً حتى اللحظة.
بدأ "أحمد" مشواره مع الباركور في سن 14 عاماً وأول صعوبة واجهها كانت في موقف والديه من هذه الرياضة، وكونها لم تكن منتشرة في قطاع غزة بالحد الذي يسمح لوالديه الاطلاع عليها عن كثب, ما جعلهما يمنعان ابنهما من ممارستها كونها في الدرجة الأولى خطيرة وثانياً لأنَّ "الركض السريع هو أمر لا يقوم به إلا حرامي!!" كما يعتقد والداه.
حب "أحمد" للباركور وطموحه وشعوره بالحرية والانطلاق أثناء ممارسته لهذه اللعبة جعله يعيد الكرة مرات عدة حتى تمكن من إقناع والديه والكل المحيط به أنها "ليست سبيل(حرامية) بل هي رياضة مشرفة تحتاج إلى الكثير من المهارة والدقة ولا يتمكن من ممارستها إلا ذو حظ عظيم وأنا منهم.."
الحصار المفروض على قطاع غزة وإغلاق معبر رفح منعا فريق فلسطين من لاعبي الباركور من مغادرة قطاع غزة للمشاركة في البطولات الأخيرة، ومع ذلك لم يوقف الفريق تدريباته الميدانية في أزقة المخيم وعلى أطلال المنازل المهدمة التي قصفها الاحتلال الإسرائيلي حتى انهالت على من فيها من سكان فأضحوا ما بين شهيد وجريح أو معاق!.
عن نفسه يقول:" واجهتني صعوبات ، وتعرضتُ للإصابة أثناء أدائي لإحدى المهارات الجديدة، فلا يوجد لدينا صالة مخصصة لممارسة هذه الرياضة ولا إمكانيات تساعدنا على التجديد في الأداء (أي أن البيئة المحيطة بالباركور في غزة غير آمنة) "، ومع ذلك فقد نصح مطر شبان غزة بأن يمارسوا هذه الرياضة حتى يفرغوا ما بداخلهم من طاقة ويمسكوا ببعض الحرية المسلوبة.
أصبحت مشهوراً
"حياتي تغيرت بالكامل ولا يكاد يمر يوم منها دون أن أمارس فيه هذه الرياضة الحرة"، قالها مطر مضيفاً:" إنها تشعرني بالحرية وبقيمتي في المجتمع خاصة وأننا نلمس حب الناس ومتابعتهم لنا بل وتصفيقهم أيضاً حتى أصبحنا أشخاصاً مشهورين".
وعن مستقبل هذه الرياضة في قطاع غزة، قال مطر:" مستقبلها في غزة معدوم في ظل عدم وجود رعاية حقيقية لها خاصة من وزارة الشباب والرياضة رغم حضورها لبعض عروضنا، فلو وجدنا الاهتمام أو المسابقات أو حتى فقط تسهيل سفرنا حتى نشارك في المسابقات الدولية لكفانا"، وختم حديثه معنا معرباً عن أمنيته بأن تجد رياضة "الباركور" حاضنة وطنية لها في قطاع غزة.
مطر.. ما هو إلا نموذج للشباب الغزي الذي يبحث عن متنفس من الحرية بعيداً عن أي قيود سياسية، يمنحه طعماً ولوناً مختلفاً في ظل الإقامة الجبرية المفروضة على سكان قطاع غزة، ولعل ما تمناه "مطر" يصل حد الكفاف، فهل يعجز أصحاب القرار عن تلبيته؟!.
"شغل عفاريت".. الشاب مطر يلعب الـ"باركور" بإمكانات صفر
Reviewed by صص
on
6:55 ص
Rating:
Reviewed by صص
on
6:55 ص
Rating:

ليست هناك تعليقات: